من الهدون أي السكون، وهي لغة: المصالحة، وشرعًا: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره وتسمى موادعة ومهادنة ومعاهدة ومسالمة، والأصل فيها قوله تعالى: {بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ} [سورة التوبة/1] الآية، وقوله: {وإن جَنَحوا للسِّلمِ فاجْنَحْ لها} [سورة الأنفال/61] ومهادنته صلى الله عليه وسلم قريشًا عام الحديبية كما رواه الشيخان [2] [يعقدها] جوازًا [الإمام ولو بنائبه] لمصلحة [أربعة أشهر] فأقل إن لم يكن بنا ضعف لآية: {فَسِيحوا في الأرضِ أربعةَ أشهُرٍ} [سورة التوبة/2] ولأنه صلى الله عليه وسلم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البيهقي في سننه [9/208]. [2] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الصلح: باب الصلح مع المشركين، ومسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب صلح الحديبية في الحديبية.
أو على أنَّهُ متى بدا لهُ نقضُ العهدِ، فإنْ كانَ بنا ضَعفٌ جازَت الزيادةُ إلى عشرِ سنينَ، ولا يجوزُ على خراجٍ يُدفَعُ إليهم، ولا يجوزُ لمُسلمٍ دفعُ مالٍ لِمُشرِكٍ لِحَقنِ دمِهِ، إلا أن يُحيطَ بهِ العدوُّ، أو يُؤسَرَ، أو يلزمهُ القودُ لهُ، فيَبذلُ الديةَ، فإنْ هادَنَهم الإمامُ على ما لا يجوزُ فسَدَ، فإنْ جاءَنا منهُم مُسلِمانِ لمْ يُعْطَ سيّدُهُ قيمتُهُ، ولا زوجُها مَهرًا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح رجاء إسلامه فأسلم قبل مضيها [أو على أنه متى بدا له] أو لمسلم معيم عدل ذي رأي [نقض العهد] وليس له أن يزيد على المدة المشروعة المتقدمة والآتية [فإن كان بنا ضعف جازت الزيادة] على الأربعة [إلى عشر سنين] بحسب الحاجة لأنه صلى الله عليه وسلم هادن قريشًا هذه المدة،
رواه أبو داود [1]، فإن زيد على الجائز منها بطل في الزائد ويفسد العقد إطلاقه [ولا يجوز] عقدها [على خراج يدفع إليهم] أي إلى أهل الحرب لقوله تعالى: {فلا تَهِنُوا وتَدْعوا إلى السَّلْمِ وأنتُمُ الأعْلَونَ} [سورة محمد/35] [ولا يجوز لمسلم دفع مال لمشرك لحقن دمه] ولو في غير هدنة لما مر [إلا أن يحيط به العدو أو يؤسر] بفتح السين [أو يلزمه القود له] كأن قتل قبل إسلامه كافرًا [فيبذل] بعد إسلامه لوارثه [الدية] ليعفو عنه [فإن هادنهم الإمام على ما لا يجوز] كمنع فك أسرانا ورد مسلم أسروه وأفلت منهم وترك ما لنا عندهم من مسلم وغيره، وعقد ذمة لهم بدون دينار أو على أن يقيموا بالحجاز أو يدخلوا الحرم أو يظهروا الخمر بدارنا [فسد] الشرط لأنه أحل حرامًا والعقد لاقترانه بشرط مفسد [فإن جاءنا منهم] عبد أو امرأة [مسلمان] أو أسلما عندنا [لم يعط سيده قيمته ولا زوجها مهرًا] أي لأن الإسلام هو الذي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجهاد: باب في صلح العدو.
فإنْ نَقَضُوا بُلّغُوا المأمَنَ ثمَّ كانوا حَرْبًا لنا، ويجوزُ أمانُ كلّ مسلمٍ مُختارٍ غيرَ صبيّ ومجنونٍ وأسيرٍ حربيًّا مَحْصورًا غيرَ أسيرٍ ونحوَ جاسوسٍ أربعةَ أشهُرٍ، ولوْ تحاكَمَ ذمّيانِ، أو مسلمٌ وذميّ، أو مُعاهَد، أو هُوَ وذميّ، وجبَ الحُكمُ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحال بينه
وبين حقه ولأن البضع ليس بمال فلا يشمله الأمان [فإن نقضوا] العهد وكانوا بدارنا [بلغوا المأمن] أي ما يأمنون فيه منا ومن أهل العهد وفاء بالعهد [ثم كانوا حربًا لنا] فيأتي فيهم ما يأتي في الحربيين [ويجوز أمان كل مسلمٍ مُختارٍ غيرَ صبيّ ومجنونٍ وأسيرٍ حربيًّا مَحْصورًا غيرَ أسيرٍ ونحوَ جاسوسٍ] واحدًا كان أو أكثر كأهل قلاية صغيرة فلا يصح الأمان من كافر لأنه منهم ولا من مكره أو صغير أو مجنون كسائر عقودهم ولا من أسير أي مقيد أو محبوس لأنه مقهور بأيديهم لا يعرف وجه المصلحة ولا أمان حربي غير محصور كأهل ناحية وبلد لئلا ينسد باب الجهاد ولا أمات أسير أي وأمنه غير الإمام، قال الماوردي:
وغير من هو بيده ولا أمان نحو جاسوس كطليعة للكفار لخبر [1]: "لا ضرر ولا ضرار" قال الإمام: وينبغي أن لا يبلغ المأمن وشمل ما ذكرته جواز الأمان من السكران [أربعة أشهر] فأقل فلو زاد عليها ولا ضعف بنا بطل في الزائد فقط تفريقًا للصفقة فإن أطلق حمل على أربعة أشهر ويبلغ بعدها المأمن، وقولي: "مختار" إلى ءاخره من زيادتي [ولو تحاكم] عندنا في نكاح أو غيره [ذميان أو مسلم وذمي أو معاهد أو هو] أي معاهد [وذمي وجب] علينا [الحكم] بينهما بلا خلاف في غير الأولى والأخيرة.
وأما فيهما فلقوله تعالى: {وأنِ احْكُم بينَهُم بما أنزلَ اللهُ} [سورة المائدة/49] نعم لو ترافعوا إلينا في شرب خمر لم نحدهم وإن رضوا بحكمنا لأنهم لا يعتقدون تحريمه قاله الرافعي في باب حد الزنا، وفي معنى المعاهد المؤمن، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الأحكام: باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، وأخرجه غيره.
بابُ الخراجِ
الأرضُ إنْ فُتِحَت عنوةً فهيَ غنيمةٌ، فإن استَرْضى الإمماُ الغانِمينَ ووَقَفَها، ووضعَ عليها خرَاجًا، لزِمَ دفعُهُ في الكُفرِ والإسلامِ، وهُوَ أجرةٌ أو صُلْحًا، وشُرِطَتْ لنا فَكَما ذُكِرَ، أوْ لهُمْ على أن يُؤدُّوا عنها خراجًا كلَّ سنةٍ فكالجِزيةِ.
بابُ السَّبقِ
يصِحُّ السبْقُ على خَيلٍ، وإبلٍ، وفيلةٍ، وبِغالٍ، وحَميرٍ، وعلى سِهامٍ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وخرج بما ذكر المعاهدان والمؤمنان والحربيان وبعض هؤلاء مع بعضهم والحربي مع المسلم أو الذمي، وتعبيري بما ذكر أولى مما عبر به.
باب الخراج
[الأرض] المأخوذة من الكفار [إن فتحت عنوة] أي قهرًا كأرض مصر والشام والعراق [فهي غنيمة، فإن استرضى الإمام الغانمين] فيما يخصهم منها بعوض أو بغيره [ووقفها] علينا [ووضع عليها خراجًا] بأن ءاجرها [لزم] المستأجر [دفعه في] حالتي [الكفر والإسلام، وهو أجرة] تؤدى كل سنة مثلاً لمصالحنا فيقدم الأهم فالأهم، ويجوز بيع ما يخص الغانمين وقسمة ثمنه بينهم وتجوز قسمة ما يخصهم [أو] فتحت [صلحًا] كأرض مكة [وشرطت لما فكما ذكر] فيما لو فتحت عنوة [أو] شرطت [لهم على أن يؤدوا عنها خراجًا كل سنة فكالجزية] فيشترط بلوغه دينارًا عن كل حالم عند التوزيع على عدد رءوس من عليهم الجزية.
[باب السبق] على الخيل والسهام ونحوهما
[يصح السبق على خيل وإبل وفيلة وبغال وحمير و] يصح [على سهام
ورِماحٍ، وأحجارٍ، وكلّ ءالةِ حَرْبٍ، ويجوزُ أخذُ عِوَضٍ عليهِ منَ الإمامِ وغيرهِ، ولوْ منْ أحَدِ المُتَسابِقينَ، فإن أخرجَ كلٌّ منهُما مالاً لم يَجُزْ إلا بمُحَلّلٍ، ومركوبُهُ كُفءٌ لِمَرْكُوبَيهِما، فإن سبَقَهُما أخذَ المالَينِ، أوْ سبَقاهُ وجاءا معًا، أو لمْ يسبُقْ أحدٌ فلا شىءَ، أوْ جاءَ معَ أحدِهما فمالُ هذا لنفسِهِ ومالُ المُتأخِّرِ للمُحَلّلِ والذي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ورماح وأحجار] باليد وبالمقلاع [و] على [كل ءالة حرب] كمسلات ومنجنيق ولو بعوض لخبر:
"لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" رواه الشافعي وغيره وصححه ابن حبان [1]، وقيس بما فيه كل ءالة حرب بخلاف غيرها كطير وكرة محجن وبندق وعوم فلا يصح السبق عليه بعوض، وقولي: "وكل ءالة حرب" أولى من قوله: "وكل نافع في الحرب" لإيهام ذلك إدخال البندق ونحوه [ويجوز أخذ عوض عليه] أي على السبق [من الإمام وغيره ولو من أحد المتسابقين] كأن يقول: من سبق منكما فله في بيت المال، أو علي كذا، أو إن سبقتني فلك علي كذا، أو سبقتك فلا شىء لي عليك لما في ذلك من الحث على تعلم الفروسية وغيرها وبذل مال في طاعة [فإن أخرج كل منهما مالاً] على أنه إن سبق الآخر فهو له [لم يجز] لأن كلاً منهما متردد بين أن يغنم وأن يغرم وهو صورة القمار المحرم [إلا بمحلل] كفء لهما [ومركوبه كفء لمركوبيهما] إن سبق أخذ مالهما وإن سبق لم يغرم شيئًا كما يعلم مما يأتي فيجوز،
وتعبيري بالمركوب أعم من تعبيره بالفرس [فإن سبقهما أخذ المالين] جاءا معًا أو أحدهما قبل الآخر [أو سبقاه وجاءا معًا أو لم يسبق أحد فلا شىء] لأحد لعدم سبق المحلل وعدم سبق أحدهما الآخر [أو جاء مع أحدهما] وتأخر الآخر [فمال هذا لنفسه ومال المتأخر لمحلل والذي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب السير: باب الخيل، انظر "الإحسان" [7/96] لابن بلبان.
معهُ، وإلا فمالُ المُتأخّرِ للأولِ. ويُشتَرَطُ للسبقِ شروطٌ مِنها: عِلْمُ مبدإٍ وغايةٍ، وعِوضٍ، فإنْ أُخِذَ بهِ رهنٌ أوْ ضَمينٌ جازَ، وكونُهُ بينَ اثنَينِ فأكثرَ، فلوْ قالَ ارْمِ عشرةً عني وعشرةً عنكَ فإنْ كانَ صَوابُكَ في عِشرَتِكَ أكثرَ فلَكَ عليَّ كذا لمْ يَجُز، ويجوزُ جعلُ بعضِ المالِ لتالي السابقِ ولغيرهِ بشرطِ نقصِ الأخيرِ وعدمِ زيادةِ غيرِهِ على مَنْ قبلَهُ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معه] لأنهما سبقاه [وإلا] بأن توسطهما أو سبقاه وجاءا مرتبين أو سبقه أحدهما وجاء مع المتأخر [فمال المتأخر للأول] لسبقه لهما،
وقولي: "أو لم يسبق أحد" من زيادتي، وقولي: "وإلا" أعم مما عبر به [ويشترط للسبق شروط منها علم مبدإ] يبدأ منه الراكبان أو الراميان [و] علم [غاية] ينتهي إليها الراكبان وكذا الراميان إن ذكرت الغاية [و] علم [عوض] عينًا كان أو دينًا كالأجرة فلو شرطا عوضًا مجهولاً كثوب غير موصوف لم يصح العقد [فإن أخذ به رهم أو ضمين جاز] كسائر أعواض العقود اللازمة [و] منها [وكونُهُ بينَ اثنَينِ فأكثرَ، فلوْ قالَ ارْمِ عشرةً عني وعشرةً عنكَ فإنْ كانَ صَوابُكَ في عِشرَتِكَ أكثرَ فلَكَ عليَّ كذا لمْ يَجُز] لأنه يناضل نفسه بنفسه، وقولي:
"فلو قال ارم عشرة" إلى ءاخره أولى مما عبر به لأنه وجه ضعيف [ويجوز جعل بعض المال] المأخوذ على السبق [لتالي السابق ولغيره بشرط نقص الأخير] ولو عن الأول فقط [وعدم زيادة غيره على من قبله] فلو تسابق ثلاثة وشرط للأول عشرة وللثاني مثله والثالث تسعة صح وبذلك علم أنه لا يشترط نقص غير الأخير عن الذي قبله، فما ذكره الأصل من اشتراط ذلك ضعيف، ومن الشروط تساوي المتسابقين في المبدإ والغاية، وإمكان سبق كل من الراكبين والراميين، وإمكان قطعه المسافة بلا ندور، وتعيين الفرسين ولو بالوصف، وبيان قدر الغرض طولاً وعرضًا إن ذكر الغرض ولم يغلب عرف، وبيان البادئ بالرمي. فقولي: "شروط منها" أولى من قوله: "خمسة شروط" لأنها لا تنحصر فيها.
