لا تُسمَعُ دعوى مُحالٍ كمثلِ أحُدٍ ذهبًا أو فضةً، ولا ما أبطلَهُ الشرعُ كثمنِ خَمْرٍ، ولا مَنْ لا عِبارةَ لهُ كصبيّ ومجنونٍ، وإذا سُمِعَتْ فإنْ أقرَّ الخصمُ أو قامَتْ عليهِ بينةٌ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلا تقبل شهادته لأنه يسعى في دفع عار الرد السابق، وتعبيري بـ"من يتهم" أولى من تعبيره بـ"الفاسق" [وإذا تعارضت بينتان تساقطتا] فلو ادعى كل من اثنين عينًا في يد ثالث لم يقر بأنها لأحدهما وأقام كل منهما بينة بها سقطتا لتناقض موجبيهما فيحلف لكل منهما يمينًا.

باب الدعوى والبينات

الدعوى لغة: الطلب، وشرعًا: إخبار عن وجوب حق على غيره عند حاكم، والبينات: جمع بينة وهي الشهود، سموا بها لأن بهم يتبين الحق، والأصل في ذلك أخبار كخبر الصحيحين [1]: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه"، وروى البيهقي [2] بإسناد حسن: "ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، [لا تسمع دعوى محال كمثل] جبل [أحد ذهبًا أو فضة ولا] دعوى [ما أبطله الشرع كثمن خمر] أو حر للنهي عنه [ولا] دعوى [من لا عبادة له كصبي ومجنون] ولا دعوى حربي لا أمان له [وإذا سمعت] الدعوى [فإن أقر الخصم] بالحق [أو قامت عليه بينة] به فذاك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه:

كتاب التفسير: باب {إنَّ الذينَ يشتَرونَ بعَهْدِ اللهِ وأيمانِهم ثمنًا قليلاً أولئكَ لا خلاقَ لهم} [سورة ءال عمران/77]، ومسلم في صحيحه: كتاب الأقضية: باب اليمين على المدعى عليه. [2] أخرجه البيهقي في سننه [10/252]، وحسن الحافظ ابن حجر اسناده في "الفتح" [5/283].

وإلا حَلَفَ إلا فيما لو ادُّعِيَ على صبيّ بُلُوغَهُ فأنكرَ، أو على حاكمٍ جَوْرٌ في حُكمٍ، أو على شاهدٍ كذبٌ. ولا يمينَ في حدّ إلا في لعانٍ وقذفٍ، والحلِفُ على البتّ في فعلِ نفسهِ ومَمْلوكِهِ، نَفيًا أو إثباتًا، وفي فعلِ غيرِهِما إثباتًا أو نَفيًا مَحْصورًا، وعليهِ أوْ على نفيِ العلمِ في فعل الغَيْرِ نفيًا مُطلقًا، فلوْ مَنَعَهُ الخَصمُ حَقَّهُ وعَجَزَ عن أخذِهِ وقدرَ على أخذِ مالٍ لهُ فلهُ أخذُ جنسِ حقِّهِ منهُ، ثمَّ غيرِهِ، وإنْ نكلَ الخصمُ عن اليمينِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [وإلا حلف] للخبر السابق [إلا] في ثلاث مسائل [فيما لو ادعي على صبي بلوغه فأنكر] فلا يحلف لأن حلفه يثبت صباه وصباه يبطل حلفه،

نعم الكافر المسبى الذي أنبت وقال تعجلت الإنبات يحلف لسقوط القتل بناء على أن الإنبات علامة للبلوغ [و] ادعى [على حاكم جور في حكم أو على شاهد كذب] في شهادته لارتفاع منصبهما عن ذلك [ولا يمين في حد] لأنها تدرأ يالشبهات [إلا في] حد [لعان] فلكل من الزوجين أن يلاعن لأن فيه درء الحد [و] إلا في حد [قذف] فللقاذف أن يحلف المقذوف أنه لم يزن لذلك [والحلف] يكون [على البت] أي القطع [في فعل نفسه] لأنه يعلم حال نفسه [و] في فعل [مملوكه] لأن مملوكه منسوب إليه [نفيًا] كان الفعل [أو إثباتًا وفي فعل غيرهما] أي غير نفسه ومملوكه [إثباتًا أو نفيًا محصورًا] اتيسر الوقوف عليه [و] يكون [عليه] أي على البت [أو على نفي العلم في فعل الغير] السابق [نفيًا مطلقًا] لتعسر الوقوف عليه،

وقولي: "أو نفيًا محصورًا وعليه" مع: "مطلقًا" من زيادتي [فلو منعه الخصم حقه] مقرًا كان أو منكرًا [وعجز عن أخذه] منه [وقدر على أخذ مال له فله أخذ جنس حقه منه] أي من المال وإن كان له به حجة [ثم] إن تعذر عليه جنس حقه فله أخذ [غيره] مقدمًا النقد على غيره، وذكر الترتيب بين جنس الحق وغيره من زيادتي [وإن نكل الخصم] المدعى عليه [عن اليمين] كأن سكت لا لنحو دهشة فحكم القاضي

لمْ يُحكَمْ عليهِ بالنُّكولِ. وقدْ يُتَوَهَّمُ خِلافُهُ فيما لو ادَّعى مُسقِطًا للجزيةِ كإسلامِهِ في أثناءِ السنةِ أو لِلخراجِ كَدَفعِهِ لعاملٍ ءاخَرَ ونكلَ عنِ اليمينِ أُخِذا منهُ أو ادَّعى حاضِرُ الوَقعةِ البُلوغَ لأخذِ سهِم المُقاتِلةِ ونكلَ لمْ يُعْطَ شيئًا أو ادّعى ابنُ حربيّ أنبتَ أنهُ استَعْجَلهُ بدواءٍ ونكَلَ قُتلَ.

بابُ العتقِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بنكوله [لم يحكم عليه] لخصمه [بالنكول] أي بسببه بل بسبب حلف خصمه لأنه صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق، رواه الحاكم وصحح إسناده [وقد يتوهم خلافه] أي يتوهم الحكم بالنكول في أربع مسائل وليس حكمًا به فيها لما يأتي [فيما لو ادعى مسقطًا للجزية كإسلامه في أثناء السنة] أو كان غائبًا مثلاً في أثناء السنة فحضر [أو] مسقطًا [للخراج كدفعه لعامل ءاخر ونكل] فيهما [عن اليمين أخذا منه] لأنهما وجبا ولم يأت بدافع [أو ادعى حاضر الوقعة البلوغ لأخذ سهم المقاتلة ونكل لم يعط شيئًا] لأن الأصل عدم البلوغ [أو ادعى ابن حربي] بعد أن [أنبت أنه استعجله] أي إنبات العانة [بدواء ونكل قتل] للكفر الظاهر ولأن الإنبات علامة للبلوغ، وحذفت قول الأصل، أو ادعى رب الحائط خطأ الخارص بمحتمل ونكل حكم عليه بخرصه لأنه مبني على ضعيف وهو وجوب حلف المدعي.

بابُ العتق

بمعنى الإعتاق، وهو إزالة الرق عن الآدمي، والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: {فَكُّ رَقبةٍ} [سورة البلد/13]، وخبر الصحيحين [1]: "أيما ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العتق: باب في العتق وفضله، ومسلم في صحيحه: كتاب العتق: باب فضل العتق، كلاهما ما عدا اللفظ الأخير: "حتى الفرج بالفرج" فقد ورد عندهما من رواية أخرى بلفظ: "حتى فرجه بفرجه" في كتاب كفارات الأيمان: باب قول الله تعالى: {أوْ تحريرُ رقبةٍ} [سورة البلد/89] من "صحيح البخاري"، وفي "صحيح مسلم" كما في المصدر المذكور.

هُوَ إمَّا إجبارٌ بأنْ تمَلَّكَ العبد نفسَهُ، أو الشخص أصلَهُ، أوْ فرْعَهُ، أو شَهِدَ بِعتقِ رقيقٍ فرُدَّتْ شهادتُهُ ثمّ تَمَلَّكَهُ، وإمّا اختيارٌ فيقعُ بصريحٍ وهوَ العتقُ والحريةُ، وفكُّ الرقبةِ، وبكنايةٍ بنيةٍ وهيَ ما يُحتمَلُ العِتقَ وغيرهُ، فإنْ أعتَقَ في صحتِهِ فَمِنْ رأسِ المالِ، أوْ في مؤض موتِهِ فمنَ الثلثِ إلا في عتقِ أمّ الولدِ، وإذا أعتقَ أحدُ الشريكَينِ نصيبَهُ عتَقَ عليهِ وسَرَى بالإعتاقِ لِمَا أيْسَرَ بهِ، فإنْ كانَ مُعْسِرًا أوْ أوصى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رجل أعتق امرأ مسلمًا استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار حتى الفرج بالفرج".

وأركانه ثلاثة: معتق وعتيق وصيغة، ثم [هو إما إجبار] أي عتق إجبار [بأن تملك العبد نفسه أو الشخص أصله أو فرعه أو شهد] الشخص [بعتق رقيق فردت شهادته ثم تملكه] فإن العتق يقع في ذلك قهرًا [وإما اختيار] أي عتق اختيار [فيقع بصريح وهو العتق والحرية وفكر الرقبة] أي ما اشتق منها لورودها في القرءان وذلك كأنت عتيق، أو أعتقتك، أو حر، أو حررتك، أو فكيك الرقبة، أو فككت رقبتك، [و] يقع [بكناية بنية] للعتق [وهي ما يحتمل العتق وغيره] كقوله: لا ملك لي عليك، لا سلطان لي عليك، لا سبيل لي عليك، [فإن أعتق] رقيقًا [في] حال [صحته فمن رأس المال] يحسب عتقه [أو في] حال [مرض موته] ولا دين عليه مستغرق [فمن الثلث] لأن العتق تبرع وهو مرض الموت معتبر من الثلث كما مر [إلا في عتق أم الولد] فإنه من رأس المال وإن استولدها في مرضه كإنفاقه المال في الشهوات [وإذا أعتق أحد الشريكين نصيبه عتق عليه] نصيبه لأنه مالك التصرف فيه ولما يأتي [وسرى بالإعتاق] من موسر [لما أيسر به] من نصيب الشريك أو بعضه وعليه قيمته له، وتعبيري بما ذكر أعم مما عبر به [فإن كان معسرًا أو أوصى

بِعِتقِ نصيبِهِ بعدَ موتِهِ لمْ يَسْرِ، ومتمى ضاقَ الثُّلثُ مُيِّزَ العتقُ بقرعةٍ.