المُطَهرُ ماءٌ وترابٌ ودابغٌ وتخللٌ. فالماءُ المُطَهّرُ ما يُسمّى ماءً بلا قيدٍ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتاب الطهارة

هو لغة: الضم والجمع، يقال: تكتبت بنو فلانٍ إذا اجتمعوا، ويقال: كتبت كتبًا وكتابة وكتابًا، واصطلاحًا: اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصولٍ ومسائل غالبًا. والطهارة لغة: النظافة والخلوص من الأدناس، وشرعًا: رفع حدث وإزالة نجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما كالتيمم والأغسال المسنونة وتجديد الوضوء [المُطهرُ] من مائع وجامد وغيرهما أربعة [ماء] في حدث وخبث وغيرهما كتجديد الوضوء [وتراب] في تيمم وغسلات نحو كلب [ودابغ] في جلد نجس بالموت [وتخلل] في خمر لأدلةٍ تأتي، وذكر التخلل من زيادتي، وفي معناه انقلاب دم الظبية مسكًا، ولا ينافي ذلك حصر الجمهور المطهر في الماء لأن ذلك مفروض في رفع الحدث وإزالة الخبث بشرطهما لاستفادة جواز الصلوات ونحوها وما هنا فيما هو أعم من ذلك.

وأما الحجر في الاستنجاء فليس مطهرًا بل هو مخفف [فالماء المُطهر ما يسمى ماءً بلا قيد] وإن رشح من بخار الماء المغلي أو قيد لموافقة الواقع كماء البحر أو تغير يسيرًا بالطاهر الآتي وكذا كثيرًا بطاهر مجاور كعود أو خليط لا غنى للماء عنه كطحلب أو بتراب وملح ماء طرحا فيه على القول بأن المتغير بشىء من الأربعة مطلق،

وأما على القول بأنه غير مطلق مع جواز الطهر به تسهيلاً على العباد فهو مستثنى من غير المطلق، وقد أوضحت ذلك في شرح الأصل بخلاف الخل ونحوه وما يذكره إلا مقيدًا كماء الورد وما تغير كثيرًا بالطاهر الآتي فلا يطهر شيئًا لقوله تعالى ممتنًا بالماء {وأنزلنا منَ السماءِ ماءً طهورًا}

وغيرُهُ طاهرٌ: وهوَ ما استُعمِلَ قليلاً في فرضٍ ولم يتنجسْ، أو تغيَّرَ كثيرًا بطاهرٍ خليطٍ للماءِ عنهُ غِنى، أو استُخرجَ من طاهر، ونجسٌ: وهوَ ما اتصلَ بهِ نجسٌ وهوَ دونَ القلتينِ، أو تغيرَ بهِ. والقلتانِ خمسمائةِ رطلٍ بغداديّ تقريبًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [سورة الفرقان/48] وقوله:

{فلمْ تجِدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا} [سورة النساء/43] والأمر للوجوب والماء ينصرف إلى المطلق لتبادره إلى الفهم فلو طهر غيره من المائعات لفات الامتنان ولما وجب التيمم لفقده [وغيره] أي وغير الماء المطهر من مطلق الماء شيئان لأنه إما [طاهرٌ] فقط [وهو] ثلاثة [ما استُعملَ] حالة كونه [قليلاً في فرض] من رفع حدث أو إزالة خبث [ولم يتنجس] هو أولى من قوله إذا لم يتغير بالنجاسة [أو] ما [تغير] تغيرًا [كثيرًا بطاهر خليط] هو من زيادتي [للماء عنه غنى] وليس ترابًا وملح ماء طرحا فيه كزعفران [أو] ما [استُخرج من طاهر] كماء ورد [و] إما [نجس وهو] شيئان [ما اتصل به نجسٌ] منجس يقينًا [وهو دون القلتين أو] ما [تغير به] أي بالنجس المتصل به ولو قلتين فأكثر بخلاف ما إذا بلغهما ولم يتغير بنجس أصلاً ولا بطاهر خليط للماء عنه غنى وليس ترابًا وملح ماء طرحا فيه تغيرًا كثيرًا فإنه مطهر كما علم [والقلتان خمسمائة رطل] بكسر الراء أفصح من فتحها [بغدادي تقريبًا] فلا ينجس باتصال نجس لخبر:

"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" رواه ابن حبان وغيره [1] وصححوه، وفي رواية: "فإنه لا ينجس" [2] وهو المراد بقوله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطهارة: باب ما ينجس من الماء، والترمذي في سننه: كتاب الطهارة: باب الذي بعد باب: ما جاء أن الماء لا ينجسه شىء، والنسائي في سننه:

كتاب المياه: باب التوقيت في الماء، وأحمد في مسنده [2/12]، والحاكم في المستدرك [1/133]، والبيهقي في سننه [1/260-261]. [2] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطهارة: باب ما ينجس من الماء، وابن ماجه في سننه: كتاب الطهارة: باب مقدار الماء الذي لا ينجس، والبيهقي في سننه [1/262].

والترابُ المُطَهّر ما لم يُستعملْ في فرضٍ ولم يختلطْ بشىءٍ، وغيرهُ إما طاهرٌ: وهوَ ما استُعملَ في فرضٍ أو اختلطَ بطاهرٍ، ونجسٌ: وهو ما اختلطَ بهِ نجسٌ. والدابغُ ما يَنزِعُ الفضلاتِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "لم يحمل خبثًا" أي يدفع النجس ولا يقبله وفي رواية: "إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر" [1] والواحدة منها قدرها الشافعي أخذًا من ابن جريج [2] الرائي لها بقربتين ونصف من قرب الحجاز، وواحدتها لا تزيد غالبًا على مائة رطل بغدادي، وهجر بفتح الهاء والجيم:

قرية بقرب المدينة النبوية، وإنما كانت الخمسمائة تقريبًا لأن رد القلة إلى القرب وحمل الشىء على النصف، والقربة على مائة رطل تقريب لا تحديد فيغتفر في الخمسمائة رطل نقص رطلين على الأشهر في "الروضة"، وقيل: نقص ثلاثة، وقيل نقص قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغيير بقدر معين من الأشياء المغيرة، وبه جزم الرافعي وصححه النووي في تحقيقه. "فرع": غير الماء من المائعات ينجس بملاقاة النجس وإن بلغ قلالاً، وفارق الماء بأنه لا يشق حفظه من النجس وإن كثر بخلاف كثير الماء، وقد ذكرت في شرح الأصل فوائد من أرادها فليراجعه [والترابُ المُطهر ما] أي تراب [لم يستعمل في فرض ولم يختلط بشىء] لقوله تعالى:

{فتيَمموا صعيدًا طيبًا} [سورة المائدة/6] أي ترابًا طاهرًا [وغيره] أي وغير المطهر من التراب [إما طاهر] فقط [وهو ما] أي تراب [استعمل في فرض أو] ما [اختلط بطاهر] كدقيق، نعم لو اختلط بمائع كخل ثم جف فهو مطهر [و] إما [نجس وهو ما] أي تراب [اختلط به نجسٌ] قلّ التراب أو كثر [والدابغ ما] أي شىء [ينزع الفضلات] أي فضلات الجلد وعفونته بحيث لو نقع في الماء بعد اندباغه لم يعد إليه النتن والفساد كقرظ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البيهقي في سننه [1/263]. [2] انظر "السنن الكبرى" للبيهقي.

ولوْ نجسًا. والتخللُ انقلابُ الخمرِ خلاً بلا عَيْن لن يقع فيها عينٌ نجسةٌ. والطهاراتُ وضوءٌ وغسلٌ وتيممٌ وإزالةُ نجسٍ.

باب الوضوء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وشب، وشب بالمثلثة والموحدة [ولو] كان الدابغ [نجسًا] كذرق طير، فيحمل قولهم: "النجس لا يطهر" على أنه لا يرفع ولا يزيل فلا ينافي أنه يحيل، إذ الدبغ إحالة لا إزالة، فيحصل بالنجس المحصل لمقصوده. والأصل فيما ذكر خبر مسلم [1]: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر". وخبر أبي داود [2] وغيره بإسناد حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة:

"لو أخذتم إهابها" قالوا: إنها ميتة، فقال: "يطهرها الماء والقرظ"، وقيس به ما في معناه [والتخلل] المطهر [انقلاب الخمر خلاً بلا] مصاحبة [عين] وقعت فيها وإن نقلت من شمس إلى ظل أو عكسه لمفهوم خبر مسلم [3] سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتتخذ الخمر خلاً؟ قال: "لا"، هذا إن [لم يقع فيها] أي في الخمر [عين نجسة] فإن صحب تخللها عين وإن لم تؤثر فيه أو وقع فيها عين نجسة وإن نزعت قبل التخلل لم يكن مطهرًا. وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح المنهج" وغيره [والطهارات] الحاصلة بالمطهرات الأربعة أربع [وضوء وغسلٌ وتيمم وإزالة نجس] بالمعنى الشامل للإحالة، وقد شرعت في بيانها بهذا الترتيب فقلت.